مجموعة مؤلفين

185

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

هذه الأرواح الشريرة ففرّقها شذر مذر ، ولم يبق منها أي أثر ، فيسأله محيي الدين من أنت ؟ فقال له أنا سورة يس . وعلى أثر هذا استيقظ فرأى والده جالسا إلى وسادته يتلو عند رأسه سورة يس ثم لم يلبث أن برئ من مرضه ، وألقى في روعه أنه معدّ للحياة الروحية ، وآمن بوجوب سيره فيها إلى نهايتها ففعل . وفي طليعة هذا الشباب المزهر بفضل ثروة أسرته تزوج بفتاة تعتبر مثالا في الكمال الروحي والجمال الظاهري ، وحسن الخلق فساهمت معه في تصفيه حياته الروحية ، بل كانت أحد دوافعه إلى الإمعان فيها . وفي هذه الأثناء كان يتردد على إحدى مدارس الأندلس التي تعلم سرا مذهب الأمبيذوقلية المحدثة المفعمة بالرموز والتأويلات الموروثة عن الفيثاغورية والأورفيوسية والفطرية الهندية . وكانت هذه المدرسة هي الوحيدة التي تدرس لتلاميذها المبادئ الخفية والتعاليم الرمزية منذ عهد ابن مسرة المتوفى بقرطبة في سنة 319 ه ، 931 م والذي لم يعرف المستشرقون مؤلفاته إلّا عن طريق محيي الدين . وكان أشهر أساتذة تلك المدرسة في ذلك القرن ابن العريف المتوفى في سنة 1141 م فلم يره محيي الدين ، ولكنه تتلمذ على منتجاته . وعلى رواية تلميذه المباشر وصديق محيي الدين الوفي أبى عبد اللّه الغزال . ومما لا ريب فيه أن استعداده الفطري ونشأته في هذه البيئة التقية ، واختلافه إلى تلك المدرسة الرمزية ، كل ذلك قد تضافر على إبراز هذه الناحية الروحية عنده في سن مبكرة وعلى صورة ناصعة لا تتيسر للكثيرين ممن تشوب حياتهم الأولى شوائب الغرائز والنزوات . فلم يكد يختتم الحلقة الثانية من عمره حتى كان قد انغمس في أنوار الكشف والإلهام ، ولم يشارف العشرين حتى أعلن أنه جعل يسير في الطريق الروحاني بخطوات واسعة ثابتة ، وأنه بدأ يطلع على أسرار الحياة الصوفية ، وأن عددا من الخفايا